أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
180
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 35 ] ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ( 35 ) قوله : فَذلِكُنَّ . مبتدأ والموصول خبره ، أشارت إليه إشارة البعيد ، وإن كان حاضرا تعظيما له ورفعا منه ، ليظهر عذرها في شغفها . وجوّز ابن عطية أن يكون ذلك إشارة إلى حبّ يوسف ، والضمير في « فِيهِ » عائد على الحب ، فيكون ذلك إشارة إلى غائب على بابه . قلت : يعني بالغائب البعيد ، وإلّا فالإشارة لا تكون إلا لحاضر مطلقا . قوله : ما آمُرُهُ في « ما » وجهان : أحدهما : أنها مصدرية . والثاني : أنها موصولة ، وهي مفعول بها بقوله « يَفْعَلْ » ، والهاء في « آمُرُهُ » تحتمل وجهين : أحدهما : العود على « ما » الموصولة ، إذا جعلناها بمعنى الذي . والثاني : العود على يوسف ، ولم يجوز الومخشري عودها على « يُوسُفُ » إلا إذا جعلت « ما » مصدرية ، فإنه قال : « فإن قلت الضمير في « آمُرُهُ » راجع إلى الموصول ، أم إلى يوسف ؟ قلت : بل إلى الموصول ، والمعنى : ما آمره به ، فحذف الجار ، كما في قولك « أمرتك الخير » ويجوز أن تجعل « ما » مصدرية ، فتعود على « يُوسُفُ » . ومعناه : لئن لم يفعل أمري إياه ، أي : موجب أمري ومقتضاه . « قلت : وعلى هذا فالمفعول الأول محذوف تقديره : ما آمر به ، وهو ضمير يوسف ، والسين في « استعصم » فيها وجهان : أحدهما : أنها ليست على بابها من الطلب ، بل استفعل هنا بمعنى : افتعل ف « استعصم ، واعتصم » واحد . وقال الزمخشري : الاستعصام : بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد ، كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها ، ونحوه : « استمسك واستوسع الفتق واستجمع الرأي ، واستفحل الخطب » . فرد السين إلى بابها من الطلب ، وهو معنى حسن ، ولذلك قال ابن عطية : « معناه طلب العصمة ، واستمسك بها وعصاني » . قال الشيخ : « 1 » « والذي ذكره التصريفيون في « استعصم » : أنه موافق ل « اعتصم » ف « استفعل » فيه مواقف ل « افتعل » ، وهذا أجود من جعل « استفعل » فيه للطلب ، لأن « اعتصم » يدل على وجود اعتصامه ، وطلب العصمة لا يدل على حصولها ، وأما أنه بناء مبالغة يدل على الاجتهاد في الاستزادة من العصمة ، فلم يذكر التصريفيون هذا المعنى ل « استفعل » ، وأما استمسك واستوسع واستجمع الرأي ف « استفعل » فيه موافقة ل « افتعل » والمعنى : امتسك واتسع واجتمع ، وأما استفحل الخطب ف « استفعل » فيه موافقة ل « تفعّل » ، أي : تفعّل الخطب ، نحو : « استكبر وتكبّر » . وقرأ العامة بتخفيف نون « وَلَيَكُوناً » ويقفون عليها بالألف إجراء لها مجرى التنوين ، ولذلك يحذفونها بعد ضمة أو كسرة « 2 » ، نحو : « هل يقومون ، وهل تقومين » ، في : « هل يقومنّ ، وهل تقومنّ ، والنون الموجودة في الوقف نون الرفع ، رجعوا بها عند عدم ما يقتضي حذفها . وقد قررت ذلك فيما تقدم « 2 » . وقرأت فرقة بتشديدها ، وفيها مخالفة لسواد المصحف لكتبها فيه ألفا ، لأن الوقف عليها كذلك كقوله : 2815 - وإيّاك والميتات لا تقربنّها * ولا تعبد الشّيطان ، واللّه فاعبدا « 3 »
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 306 ) . ( 2 ) انظر سورة البقرة آية ، ( 132 ) . ( 3 ) تقدم .